.PDF "إضغط هنا لقراءة هذا المقال في "ادوبي اكروبات
في اللغة الإنجليزية
في اللغة الفارسية
هذا الإصدار هو الأول من سلسلة من النصوص التحليلية التي تتناول استحقاقات شرق أوسطية رئيسة. يفتتح ماكيل روبن، الباحث في المعهد الأمريكي للأبحاث السياسية، هذه السلسلة التي سوف تتوفر نصوصها في اللغة العربية والإنكليزية.
لم يعد السجال حول البرنامج النووي الإيراني في الصدارة من جدول اهتمامات البيت الأبيض فقط، بل في الصدارة أيضاً من اهتمامات المجتمع الدولي قاطبة. وإذ ترك البيت الأبيض، بداية، لكل من برلين ولندن وباريس، مهمة التفاوض مع طهران، فلقد كان، في الحادي والثلاثين من أيار/مايو الماضي، أن بادرت وزيرة الخارجية الأميركية إلى اقتراح تدخل أميركي أكثر مباشرة، وإلى اقتراح محفظة من الحوافز في حال وافقت طهران على تعليق تخصيب اليورانيوم. ولكن، إذ يدعو صناع القرار إلى تقديم الدبلوماسية في العلاقة مع طهران فقلة قليلة فقط تُسائل المقاربةَ والمفهومَ الإيرانيين للدبلوماسية وتضعهما تحت المجهر.
على غير هدى من خطة واضحة المعالم، تمضي الجهود الدبلوماسية قدماً في محاولاتها تبديد المخاوف التي يثيرها برنامج إيران النووي. أهل الحل والعقد من الرسميين يسعون، في معظمهم، إلى تفادي المواجهة العسكرية. كذلك، فبعد إعلان إيران رفضها وقف التخصيب، سارعت كل من باريس وموسكو إلى حث واشنطن على الإمساك عن التصعيد [1]. هذا في حين يتفق رأي الثقات من المحللين الأميركيين على أن كلفة أي عمل عسكري يستهدف إيران سوف ستكون باهظة؛ فالنظام الإيراني آيل إلى مضاعفة رعايته الإرهاب، والقوات الأميركية العاملة في العراق يمكن أن تصبح هدفاً لهجمات الميليشيات الموالية لطهران، أما على مستوى عامة الإيرانيين فمن شأن أي عمل عسكري يستهدف بلدهم أن يرص صفوفهم تحت عناوين وطنية، وأخيراً لا آخراً فإن استهداف المنشآت النووية الإيرانية من شأنه أن يؤخر جهود الجمهورية الإسلامية النووية لا أن يضع حداً نهائياً لها.
هو كذلك ولكن هل يمكن الجهود الدبلوماسية أن تحول بين الجمهورية الإسلامية وبين امتلاك السلاح النووي؟ تقوم الدبلوماسية على الثقة المتبادلة بين الأطراف المعنية بأن كل طرف سوف يحترم تعهداته؛ وفي هذا المجال فإن أقل ما يقال عن سجل إيران الدبلوماسي أنه لا يوحي بالثقة. فمن سنوات الثورة الأولى إلى يومنا هذا، مروراً بأوج الفترة الإصلاحية، أبدت القيادة الإيرانية، على الدوام، عن نفور سافر من الالتزام بالقواعد الدبلوماسية ولم تتورع عن الاستهانة بالاتفاقات وخرقها.
احتلال السفارة الأميركية في طهران
لقد بات مستسهلاً في أيامنا هذه مؤاخذة الولايات المتحدة الأميركية على وهن علاقاتها بإيران، ولكن الكثيرين ممن يرددون هذا الاتهام يتناسون أن الولايات المتحدة كانت مزمعة خلال الأشهر الأولى التي تلت الثورة على إعادة العلاقات الديبلوماسية مع إيران. ففي الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 1979 عقد في الجزائر لقاء بين إبراهيم يزدي، وزير الخارجية الإيراني، وبين زبيغنيو بريزنسكي، مستشار الرئيس جيمي كارتر لشؤون الأمن القومي، خصص للبحث في استئناف العلاقات بين البلدين. ولكن ما هي إلا ثلاثة أيام على هذا اللقاء، وفي رد فعل عليه، حتى قام طلاب إيرانيون "سائرون على خط الإمام (آية الله روح الله خميني)" بمهاجمة السفارة الأميركية في طهران وباحتجاز 52 دبلوماسياً رهائن. في اليوم التالي على عملية الاحتجاز هذه باركها آية الله خميني ومحضها تأييداً رناناً. حتى وارن كريستوفر، نائب وزير الخارجية إذاك والمعدود بين الحمائم في الموقف من إيران، اعتبر عملية الاحتجاز انتهاكاً فاضحاً لمعاهدة فيينا الخاصة بالعلاقات الدبلوماسية (1961) ومعاهدة فيينا الخاصة بالعلاقات القنصلية (1963) [2].
حاول الرسميون الأميركيون معالجة الأمر بهدوء وروية. وفي السادس من تشرين الثاني/نوفمبر 1979 سرب مسؤولون في مجلس الأمن القومي إلى صحيفة الواشنطن بوست ما مفاده أن "لا تغيير في الوضع القائم ــ لا عمل عسكرياً، لا تحريك لقوات، لا لجوء إلى خطط الطوارئ" [3]. لسوء الحظ، لم تفلح الجهود الرامية إلى منح الدبلوماسية حظها في تسوية الأزمة الناشبة. فبعد أيام قليلة على عملية الاحتجاز قام نجل خميني، بمعية علي خامنئي، مرشد الثورة الحالي، بزيارة السفارة مؤكدين بذلك على الاستهانة الرسمية بالمعاهدات الدولية[4.
من هنا السؤال: هل يستقيم اليوم، بعد ربع قرن من الزمن، الاستمرار في اعتماد دبلوماسية الرفق وما تستتبعه من سياسات في حين تقيم الدبلوماسية الإيرانية على حالها؟ في أية حال لا بأس من التذكير بأنه في حين لا تكف القيادة الإيرانية عن المطالبة باعتذارات عن اعتداءات، منها الحقيقي ومنها الوهمي[5]، لحقت بإيران وبالشعب الإيراني، فهي تستمر، في الوقت نفسه، في المرافعة عن صوابية عملية احتجاز الرهائن، مؤكدة بذلك موقف طهران المستهين بالأعراف الدبلوماسية. ولا يقف الأمر بطهران عند هذا الحد... فالمقر السابق للسفارة الأميركية في طهران، بشهادة صور التقطت مطلع هذا العام، مأهول اليوم بدمىً ذات هيئات بشرية ألبست أزياء عسكرية أميركية تظللها يافطات خطت عليها عبارات لمرشد الثورة خامنئي تحيي إحباط مؤامرات الاستكبار، في حين رفعت على بعض أشجار مقر السفارة السابق يافطات أخرى تحض على "الموت لأميركا".
وعود في خبر كان...
غداة عملية احتجاز الرهائن تبنت إدارة الرئيس ريغان مقاربة براغماتية في العلاقة مع إيران. وإذ يستعاد في أيامنا هذه ملف الصفقة الأميركية/الإيرانية التي حاولت إدارة ريغان، من خلالها، الالتفاف على قرار الكونغرس بعدم دعم المقاومة النيكارغوية وتخليص الرهائن الأميركيين، ــ إذ يستعاد هذا الملف فإن التأكيد، من وجهة نظر دبلوماسية على ازدواجية الساسة الإيرانيين، والكثير منهم ما يزال في السلطة، لا يقل أهمية عن لاقانونية المحاولة التي قامت بها إدارة ريغان. فبعد أسبوع على الزيارة السرية التي قام بها في العام 1986 مستشار الأمن القومي روبرت ماكفارلين إلى إيران، عمد مهدي هاشمي، صهر خليفة الخميني المسمى حسين علي منتظري، بتسريب معلوماتٍ عن الاتفاق في منشوراتٍ وزعت في جامعة طهران. وبعد ستة أشهر قام منتظري، أو لربما بعض مساعديه المقربين، ـ تتضارب الأقوال في هذا الشأن ـ بتسريب معلومات أخرى عن اجتماعات ماكفارلين في أسبوعية الشراع[6] اللبنانية الموالية (آنذاك) لسوريا. وفي الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 1986، في الذكرى السنوية السابعة على عملية السفارة، حرص الرئيس الإيراني السابق، رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، على التأكيد، أمام ملأ من الصحافة الدولية[7]، حصول تلك الاجتماعات. بصرف النظر عن الحكمة، أو عدمها، من وراء قرار إدارة ريغان السعي إلى مبادلة الرهائن بالأسلحة فإن هذه العملية مثلت محاولةً جديةً وخطيرةً وسريةً في آن معاً للتواصل مع الحكومة الإيرانية. لقد وثقت السلطات الأميركية بوعد الإيرانيين لزوم الصمت ولكن المسؤولين الإيرانيين، مهما تكن الأسباب التي دعتهم إلى ذلك، لم يلتزموا بالوعد الذي قطعوه.
القواعد "الرشدية"
فصل آخر يبين بوضوح مدى استهتار النظام الإيراني بالوعود التي يقطعها. ففي الرابع من شباط/ فبراير 1989 أفتى خميني بإهدار دم سلمان رشدي. ثم كان قبل أربعة أشهر من وفاة خميني أن دعا علي خامنئي، رئيس الجمهورية آنذاك، سلمان رشدي إلى الاعتذار لقاء إبطال الفتوى القاضية بإهدار دمه. اعتذر سلمان رشدي ولكن الحكومة الإيرانية، على الرغم من ذلك، لم تبطل الفتوى[8] لا بل إن غلاة الملالي رأوا في اعتذار سلمان رشدي اعترافاً صريحاً بذنبه.
لا مفاجأة قط في الإخلاف الإيراني الصريح؛ كل المفاجأة، أو ما يفترض به أن يفاجئ، هو تخلية الحكومات الغربية بينها وبين السقوط في شراك الكذب وإخلاف الوعود الإيرانيين. في الرابع والعشرين من أيلول/سبتمبر 1978 أعلنت الحكومة الإيرانية بأنها لن تبادر إلى إيذاء رشدي استجابة للشرط الذي وضعه وزير الخارجية البريطاني لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين[9]، ولكن في الرابع عشر من شباط/فبراير 1979 عاد بعض المسؤولين الأمنيين الإيرانيين إلى التأكيد على نيتهم إنزال عقوبة الموت بسلمان رشدي[10]، وفي التاسع عشر من أيار/مايو 1999، بعد يوم واحد على الاتفاق بين لندن وطهران على استئناف تبادل السفراء، بثت إذاعة الجمهورية الإسلامية تعليقاً نعتت فيه رشدي بالمرتد، واصفة إيقاع حد القتل فيه بالشرعي. وحتى يومنا هذا ما يزال ملف رشدي حاضراً على جدول الأعمال الإيراني... ففي الثاني عشر من شباط/فبراير 2005 أصدر الحرس الثوري الإيراني بياناً توعد فيه بأن "إنزال العقاب بسلمان رشدي على ما أساءه إلى القرآن وإلى الرسول آتٍ يوماً ما لا محالة"11]].
تجارة الغش
هذا غير أن الإخلاف بالوعود الدبلوماسية والنكث بها يبلغ أشده عندما يتعلق الأمر بوعود قطعت في سياق صفقات يرتجى تحقيق أرباح ومكاسب تجارية من ورائها. ففي الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1996 وعد محمود فائزي، نائب رئيس الحكومة الإيراني، بالمساعدة على كشف مصير رون أراد، الطيار الإسرائيلي الذي فقد في لبنان في العام 1982 والذي يشتبه بأن احتجازه كان على يد إحدى المجموعات الموالية لإيران. يومذاك صرح أحد أعضاء الوفد المرافق لفائزي بأن مصير رون أراد "مسألة إنسانية لا مسألة سياسية"[12] ولكن، ما إن توصل الجانبان الإيراني والفرنسي إلى اتفاق تشتري إيران بموجبه عشر طائرات ايرباص وتستثمر خمسمئة مليون دولار في قطاع الاتصالات الفضائية، وأن تقوم شركة توتال بتطوير بعض حقول النفط في إيران، حتى انقلب وزير الخارجية الإيراني على ما سبق أن جرى الإعلان عنه من نية المساعدة على جلاء مصير أراد[13]. كذلك يبدو واضحاً أن تصريحات فائزي لم تهدف إلا إلى تعبيد الطريق أمام الصفقة تلك. هذه الحادثة تبين أن تقديم الحوافز إلى الإيرانيين لا يساهم في الدفع بهم على طريق حل الأزمات المزمنة وإنما يأتي بنتائج عكسية.
لقد بين النظام الإيراني أيضاً أنه لا يتردد عن استرهان التزاماته وتعهداته للإيديولوجيا الرسمية التي ينادي بها. ففي الثامن من أيار/مايو 2004 عمد حرس الثورة الإيرانيون إلى نشر مدرعاتهم على مدرجات مطار الإمام خميني الدولي الجديد للحيلولة دون استعمال الكونسورتيوم التركي النمساوي TAV لهذه المدرجات[14]. لم يفلح تذكير إيران بالتزاماتها الدبلوماسية والتجارية في تغيير الوضع، واستمر المطار شبه مغلق حتى أواخر العام التالي. أخيراً، في الثالث من آذار/مارس 2005 صرح وزير النقل الإيراني محمد رحمتي بأن "مصير المطار ومصير الـ TAV باتا منفصلين"[15]. ما معناه أن حرس الثورة ربح الجولة. ومما كان أيضاً في أواخر ذلك العام أن نجحت وزارة المخابرات الإيرانية، بمؤازرة فريق من البرلمانيين المحافظين، في تعطيل عقد بقيمة 3 مليارات دولار مع شركة الاتصالات الخلوية التركية توركسيل لأن سلوك هذه الشركة، بحسب هؤلاء، لا ينم عن معاداة كافية لإسرائيل[16].
مقول القول من وراء هذه الأمثلة هو أن هذه الأجهزة العسكرية والأمنية هي من يتحكم بملفات التسلح الإيراني وبالملف النووي، لا الدبلوماسيون الإيرانيون. وعلى افتراض أن الدبلوماسيين الايرانيين صادقون، فليس بالضرورة أنهم مطلعون كل الاطلاع على ما يفعله زملاؤهم في الحرس الثوري، ولا أنهم يملكون التفاوض باسم هؤلاء ونيابة عنهم.
أفغانستان والعراق... الطلاق بين القول والفعل
قد يعمد الدبلوماسيون، كل الدبلوماسيين، إلى شيء من التضليل والمخادعة تحسيناً لصورة البلد الذي يفترض بهم تمثيله والدفاع عن مصالحه؛ ولكن الفارق بين عامة الدبلوماسيين وبين زملائهم الإيرانيين هو أن هؤلاء لا يترددون عن اختلاق الوقائع وتزويرها. وخير مصداق على ذلك أفغانستان والعراق. فرغم الوعود المتكررة بالتعاون وبعدم التدخل، فإن المسؤولين الإيرانيين لم يألوا جهداً في زعزعة الاستقرار في كلٍ من هذين البلدين.
غالباً ما يشار الى أفغانستان على أنها نموذجٌ ناجح للتعاون بين الولايات المتحدة وإيران. ورغم إطراء الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان على "الدعم الكبير"[17] الذي تقدمه إيران لأفغانستان، ورغم أن مسؤولاً سابقاً في مجلس الأمن القومي أفاض في مديح التعاون الإيراني/الأميركي حول الملف الأفغاني[18]، فإن واقع الحال ليس كذلك تماماً... فرئيس مجلس النواب السابق، علي أكبر ناطق نوري، وممثل خامنئي للشؤون الأفغانية، حسين إبراهيمي، لم يترددا عن دعوة رجال الدين الأفغان إلى التصدي لخطط الولايات المتحدة في أفغانستان وعلى إحباط أهدافها ومشاريعها هناك[19]. وفي الثامن من آذار/مارس 2002 اعترضت السلطات الأفغانية 12 عميلاً وناشطاً إيرانياً كانوا يعملون على تشجيع بعض القيادات الأفغانية على تنظيم مقاومة مسلحة[20]. كذلك، فأقل ما يمكن أن يقال هو أن التأكيدات الإيرانية بعدم التدخل باطلة.
على الرغم من ذلك سعى المسؤولون الأميركيون والبريطانيون، عشية عملية تحرير العراق، إلى الحصول على تعهد إيراني بعدم التدخل في العراق وهذا ما حصل عليه وزير الخارجية البريطاني جاك سترو من نظيره الإيراني كمال خرازي. والوعد الذي قطعه هذا الأخير بعدم التدخل عاد وكرره محمد جواد ظريف، سفير إيران لدى الأمم المتحدة، لزلماي خليل زاده، موفد الرئيس بوش الشخصي إلى العراقيين الأحرار آنذاك. ولكن كلام الليل يمحوه النهار، وهذه الوعود الدبلوماسية لم تكن، في واقع الحال، سوى باب من أبواب التمويه. فما إن أطيح بنظام صدام حسين، حتى عمد حرس الثورة، بمباركةٍ من مرشد الجمهورية، إلى إدخال ألفي مقاتل وعدد من أفراد فيلق القدس، مجهزين بالعتاد ووسائل الاتصال والأموال وأدوات الدعاية[21]. وسيان أكان خرازي وظريف على بينة أم على غير بينة من رياء الوعود التي قطعوها. فإن كانا على بينة، فمعنى ذلك أنهما كذبا؛ وإن لم يكونا على بينة فالوعود التي قطعاها هي حجة على أنهما ليسا جزءاً من دائرة صناعة القرار، وأنهما، بالتالي، ليسا بمفاوضين يمكن الاطمئنان إلى تعهداتهما. وإن ثبت أنهما كانا شريكين في الكذب، ففي ذلك أبلغ برهان على مدى التهور الذي ينطوي عليه الركون إلى الاتفاقات الدبلوماسية مع طهران. ولم يمض وقت طويل حتى أقر البيت الأبيض بما تثيره من قلق لديه عمليات تسلل عناصر إيرانية إلى العراق[22] وهو ما أكدته الوقائع حيث إن قوات التحالف كانت قد قبضت، بحلول تشرين الأول/أكتوبر 2003 على ما يزيد على مئة إيراني في العراق[23]).
مرة جديدة، كرر وزير الخارجية الإيراني الوعد إياه. ففي [23] تشرين الثاني/نوفمبر 2003 نقلت وكالة الأنباء الإيرانية أن خرازي وعد جلال الطالباني، زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني والرئيس الحالي، بأن إيران لن تتدخل في الشؤون العراقية. على علم وبينة من النشاطات الإيرانية في العراق، لقد كذب خرازي، هذه المرة على الأقل، صراحة... بعد فترة وجيزة على تصريحات خرازي هذه نقل علي نوري زاده، المحلل الإيراني المقيم في لندن، القريب، على ما يُشتهر عنه، من الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي ومن جماعة "الإصلاحيين" ــ نقل معلوماتٍ عن النشاط المتزايد للمخابرات الإيرانية ولفيلق القدس على امتداد العراق[24]. وبعدها بأسبوع نقل علي نوري زاده معلوماتٍ عن قيام حرس الثورة بدعم ميليشيات مقتدى الصدر[25]، هذا في حين كان كبير الدبلوماسيين الإيرانيين في بغداد، المنتمي هو نفسه إلى فيلق القدس، يؤكد على أن إيران لن تقبل بأي عملٍ من شأنه زعزعة الاستقرار في العراق26]. بعد أربعة أشهر على ذلك قامت قوات الأمن العراقية بإلقاء القبض على ثلاثين إيرانياً كانوا يقاتلون في صفوف ميليشيات الصدر[27]. أما أحمد جنتي أمين عام مجلس الحرس، فلم يتأخر عن كيل المديح لمقاومة مقتدى الصدر: "عليّ أن أشكر، وأن أثمن عالياً، أولئك الذين يقاومون الذئاب المتعطشة للدم". هذا ما قاله جنتي خلال إحدى خطب الجمعة([28]. وعلى ذمة المسؤولين الأميركيين في العراق، فإن الازدواجية في السلوك الإيراني، حتى يومنا هذا، ماضية على قدم وساق[29).
ماذا إن امتلكت إيران السلاح النووي؟
ما كان للمرء أن يتوقف عند سجل الخداع والمكر الإيرانيين لولا أنه اليوم يتعلق بالأمن القومي الأميركي. فامتلاك إيران للسلاح النووي يمثل تبديلاً جذرياً في ميزان القوى الاستراتيجي. كثيراً ما يردد المسؤولون الإيرانيون بأن مشروعهم النووي هو لأغراض سلمية. ولكن كيف يسع المرء أن يجمع بين سلمية المشروع المزعومة وبين تصريحات عدد من المسؤولين الإيرانيين؟ في السابع والعشرين من آب/أغسطس 2006 صرح كاظم جلالي مقرر لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني: "لا أحد في إيران يدافع عن فكرة إنتاج قنابل ذرية أو استعمال التكنولوجيا النووية لأغراض غير سلمية"[30]. أقل ما يقال أن هذا التصريح يفتقد إلى المصداقية بشهادة التصريحات المضادة المنسوبة إلى عدد من منظري النظام والمطلعين على دخائله.
ففي 14 كانون الأول/ديسمبر 2001 صرح رفسنجاني، الرجل الثاني في إيران بلا منازع: "إن إلقاء قنبلة نووية على إسرائيل يدمرها بالكامل في حين أن إلقاء قنبلة نووية على العالم الإسلامي لن يزيد على أن يلحق به أضراراً فقط. إن هذا السيناريو ليس بالمستبعد"[31]، أما صحيفة إيران امروز فنقلت عن آية الله محمد باقر خرازي، أمين عام حزب الله إيران، قوله، في خطابٍ ألقاه في 14 شباط/ فبراير 2005: "إننا قادرون على إنتاج قنابل ذرية ولسوف نفعل. علينا ألا نخشى أحداً. إن الولايات المتحدة ليست أكثر من كلب عوّاء"[32].
وفي 29 أيار/مايو 2005 أعلن حجة الإسلام غلام رضا حسني الممثل الشخصي لمرشد الثورة في إقليم غرب أذربيجان أن امتلاك السلاح النووي هو إحدى أولوليات إيران "علينا أن ننتج القنبلة الذرية إنفاذاً للأمر الإلهي المنصوص عنه في القرآن بأن "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوکم"[33]. أما قلة شعبية حسني في العديد من الأوساط الإيرانية فلا تغير من الأمر شيئاً. فبوصفه من أقرب المقربين إلى القائد مرشد الثورة، يمكن القول باطمئنان إن ما يقوله هو يعكس إلى حد بعيد ما يجول في خاطر القائد. في شباط/فبراير 2006 نقل موقع روز الإلكتروني القريب من تيار الإصلاحيين حديثاً منسوباً إلى الفقيه القمي محسن شرفيان القريب من آية الله محمد تقي مصباح يزدي، أحد أعتى عتاة منظري الجمهورية الإسلامية، مفاده أنه "من الطبيعي" أن تمتلك الجمهورية الإسلامية السلاح النووي[34].
إن عدم الوثوق بالنيات الإيرانية لا يستند فقط إلى تصريحات المسؤولين والقادة الإيرانيين، ولكن أيضاً إلى السلوكات والأفعال الإيرانية. ففي كانون الأول/ديسمبر 2002 أثبتت صور التقطتها الأقمار الصناعية أن إيران تعمل على بناء منشأة تخصيب، لم تصرح عنها، في ناتنز على نحو 130 ميلاً جنوب طهران ومصنعاً للمياه الثقيلة في خنداب على نحو 32 ميلاً إلى الجنوب الشرقي من أراك[35].
وفي شباط/فبراير 2003 أرسلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية فريقاً من المفتشين للتوثق من التصريحات الإيرانية الزاعمة بأن "النشاطات النووية للجمهورية الإسلامية شفافة وصريحة وسلمية"[36]. لم يأت حساب الحقل الإيراني مطابقاً لحساب البيدر الدولي. فالتقرير الذي أعده فريق المفتشين بين بوضوح حجم التلاعب الإيراني: فعلى ذمة التقرير المذكور كانت إيران، حتى إذاك، قد أنجزت بناء 164 محولاً وكانت تعمل على بناء 1000 إضافي، وقد خططت لبناء منشآت تؤوي 50 ألفاً. إلى ذلك بينت جولة التفتيش تلك أن إيران لم تبلغ عن استيراد نحو طن من اليورانيوم من الصين وعاد المفتشون بلا أجوبة مقنعة من طرف وكالة الطاقة الإيرانية عن اختفاء كمية من اليورانيوم المخصب[37].
وإذ أثبت التقرير من شيء فبطلان الادعاءات الإيرانية القائلة بأن البرنامج النووي الإيراني محلي محض وذو أغراض سلمية. فمما جاء في تقرير الوكالة الدولية:"إن دور اليورانيوم المعدني في المشروع الإيراني المصرح عنه والرامي إلى إنتاج الطاقة النووية ما يزال غير واضح المعالم، باعتبار أن لا مفاعلات المياه الخفيفة التي تمتلكها إيران ولا مفاعلات المياه الثقيلة التي تنوي بناءها تتطلب لتشغيلها اليورانيوم المعدني"[38].
بعد أن دهم مفتشو الوكالة الدولية إيران بالجرم المشهود،