About AEI My AEI Support AEI Contact AEI
Home Events Books Short Publications Research Areas Scholars & Fellows


Search


FindAdvanced Search

Browse all short publications by:
- Date
- Subject
- Author
- Type
- Title

SHORT PUBLICATIONS
AEI Newsletter
AEI.org Exclusives
The American
Press Releases
Outlook Series
On the Issues
Papers and Studies
AEI Working Paper Series
Government Testimony
Speeches
Book Reviews
AEI Policy Series
The War on Terror

E-NEWSLETTERS
Enter e-mail:
 

Home >  Short Publications >  الدعم الأميركي
الدعم الأميركي
Print Mail
قبلة الموت على شفاه مشاقي الشرق الأوسط؟
By Michael Rubin
Posted: Tuesday, December 19, 2006
MIDDLE EASTERN OUTLOOK
AEI Online  
Publication Date: December 19, 2006

Download file .PDF "إضغط هنا لقراءة هذا المقال في "ادوبي اكروبات

في اللغة الإنجليزية

في الرابع من شباط 2004 خطب الرئيس جورج دبليو بوش في مؤسسة "الصندوق الوطني للديمقراطية" ومما قاله: "إن الإصلاح الديمقراطي الحقيقي يجب أن يأتي من الداخل... بيد أن الولايات المتحدة لن تتأخر عن مد يد العون إلى دعاة الإصلاح إن هم سألوها ذلك" (1). بعد أقل من عام على خطابه هذا، بمناسبة دخول ولايته الثانية، كرر الرئيس بوش مكانة الحرية على جدول أعماله:"إن الولايات المتحدة تعتبر أن السعي إلى دعم الحركات والمؤسسات الديمقراطية في كل البلدان، وفي كل الثقافات، توصلاً إلى الهدف النهائي الذي هو إزالة الاستبداد من عالمنا، بعض من سياستها" (2). وإذ رحب العديد من المشاقين بتصريحات الرئيس بوش، فلقد وجدت الإدارة نفسها تتعثر في وضع هذه التصريحات موضع التنفيذ. ففي صلب السجال المتعلق بسياسة الولايات المتحدة الخارجية ينتصب السؤال الذي تختلف عليه الإجابات: هل إن دعم الولايات المتحدة للمشاقين عون لهم في ما ينشطون في سبيله أم إنه وبال عليهم؟ هل من شأن الدعم المادي والمعنوي أن يدفع بالإصلاح قدماً أم أن يعيقه ويؤخره؟ 

إن النضال في سبيل الحرية مبدأ مؤسس من المبادئ التي قامت عليها الولايات المتحدة. وليس بالأمر العرض أن إعلان الاستقلال ينزل "الحياة والحرية ونشدان السعادة" منزلة الحقوق المكتسبة. في القرن التاسع عشر مدت الولايات المتحدة يد العون إلى حركات التحرر في أميركا الجنوبية، وفي أعقاب الحرب الإسبانية/الأميركية، أرست أنظمة انتخابية في كل من كوبا والفلبين (3). أما في نهاية الحرب العالمية الأولى فلقد وصف الرئيس وودرو ويلسون مدار نقاطه الأربع عشرة على أنه: "سيادة مبدأ العدالة على كل الشعوب والجنسيات وحق الجميع بالعيش على درجة واحدة من الحرية والأمان" (4).

مع الحرب العالمية الثانية تقطعت الآمال بأن عهداً من الحرية بات بالمتناول، ومع اندلاع الحرب الباردة قللت الولايات المتحدة من تركيزها على الديمقراطية والحرية. لم يعف الاستقطاب الثنائي الذي دشن في يالطا عن الشرق الأوسط بل شمله على غرار سواه من بقاع العالم. وفي ظل هذا الاستقطاب نفضت إدارات متعاقبة عدة يدها من بندي الإصلاح والديمقراطية، مؤثرة انتهاج سياسات قائمة على حسابات إستراتيجية واقعية تنظر إلى العالم من خلال محل كل بلد على خريطة الاستقطاب تلك (5). وعلى ما يشرح غراهام فولر، النائب السابق لرئيس مجلس الأمن القومي، فـ "إن إيديولوجيا العداء للشيوعية، من حيث أصبحت المبدأ الذي تهتدي به السياسة الخارجية، ألقت بظلال كثيفة على موضوعي الديمقراطية والحرية وأدت إلى تراجع الاهتمام بهما" (6).

لقد أبدى العديدون من صناع السياسة الخارجية اعتراضهم على مكانة الحرية والديمقراطية على جدول أعمال هذه السياسة (7) ولكن الكونغرس لعب دوراً فعالاً في التغلب على اعتراضاتهم. ففي العام 1974 عارض هنري كيسنجر التعديل المعروف باسم جاكسون ــ فانيك، والذي شرط التجارة مع الاتحاد السوفييتي بسلوك هذا الأخير في تعاطيه مع ملف هجرة اليهود، خوفاً من أن يؤثر ذلك سلباً على سواه من المبادرات الدبلوماسية (8). وفي عهد هنري كيسنجر منعت الخارجية الأميركية على أعضاء لجنة هلسنكي الاطلاع على بعض المراسلات السرية وعرقلت زيارات لأعضاء هذه اللجنة إلى أوروبا الشرقية (9).

لم تسترد الديمقراطية والحرية مكانتهما حجرَ زاوية من السياسة الخارجية الأميركية إلا في عهد الرئيس ريغان (10). في الثامن من حزيران 1982 وقف ريغان خطيباً أمام مجلس العموم البريطاني وقال:"إن مهمتنا اليوم هي الحفاظ على الحرية والسلام"، واستطرد داعياً، من جهة، إلى توفير دعم فعال لأولئك الذين يناضلون في سبيل الحرية باعتبار أن "الديمقراطية، وإن لم تكن زهرة هشة، فهي تستوجب الرعاية" ومن جهة أخرى إلى المبادرة إلى التحرك: "رغم ما يتوجب علينا الالتزام به من حرص وتأن في تقدير وتيرة التغيير، فينبغي علينا في الوقت نفسه ألا نتردد في الجهر بالأهداف التي نصبو إليها وأن نبادر إلى الخطوات العملية التي تقربنا من هذه الأهداف" (11). في العام التالي أقر الكونغرس إنشاء الصندوق الوطني للديمقراطية (12). وخلال ما تبقى من ولاية الرئيس ريغان، استمر موضوع دعم الحرية، سواء من خلال الوسائل اللاعنفية أو من خلال العمل المسلح، أحد المحاور الرئيسية للسياسة الأميركية.

لم يخف مسؤولو وزارة الخارجية تخوفهم من التأثيرات السلبية لتوصيف الرئيس ريغان الاتحاد السوفييتي بإمبراطورية الشر على سياسة التهدئة (13)، غير أن انهيار الاتحاد السوفييتي أثبت صحة توجه ريغان إلى التركيز على موضوعي حقوق الإنسان والحرية. وإذ ذهب بعض دعاة الواقعية إلى مساءلة الحكمة من دعم المشاقين، فإن المشاقين الذين كتب لهم الانسلال من وراء الستار الحديدي أكدوا مراراً وتكراراً أهمية الدعم الغربي العلني والصريح في انحيازه إلى قضية الحرية. لقد كتب ناتان شارنسكي الذي أمضى نحو عشر سنوات في معسكرات الاعتقال السوفييتية (1977 ــ 1986) ما مفاده أن حرص العالم الغربي على قيم حقوق الإنسان حثه، كما سواه من المشاقين، على رفع وتيرة نشاطهم واعتراضهم (13). إن توصيف الاتحاد السوفييتي بـ"إمبراطورية الشر"، رغم ما لاقاه من تحفظ شديد لدى أهل السياسة الخارجية في واشنطن وسواها من العواصم الغربية قد عزز النزعة الديمقراطية والديمقراطيين. "لقد كنا، نحن المشاقين، في حال من النشوة. أخيراً سمعنا زعيم العالم الحر يجهر بالحقيقة ويسمي الأمور بأسمائها"، هذا أيضاً مما قاله شارنسكي...(15). أما إليا زاسلافسكي، رئيسة إحدى الكتل الديمقراطية في مجلس الشعب الروسي، فلم تتردد في نسبة الفضل في البيريسترويكا، وما استتبعته من إصلاحات، إلى الرئيس ريغان لا إلى ميخائيل غورباتشوف (16).

الحرب الباردة... وداعاً...

بعد الحرب الباردة بقيت أنظمة الشرق الأوسط الاستبدادية وملكياته المتسلطة في منأى من موجة انتشار الديمقراطية التي انطلقت من أميركا اللاتينية وإفريقيا وشرق آسيا. فالديمقراطية في الشرق الأوسط لم تكن من أولويات واشنطن. لقد لاحظ كاري غامبيل، محرر نشرة ميدل إيست إنتليجنس، مصيباً، أن مصر والأردن اللذين يتلقيان أكبر قدر من المساعدات الأميركية بين الدول العربية لم يقوما بتنظيم انتخابات تحت مراقبة دولية في التسعينيات (17). وإذ تذرع زعماء هاتين الدولتين بالخطر الأصولي لتبرير التواني في المبادرة إلى الإصلاح، فإن الأجهزة الأمنية في البلدين المذكورين لم تتورع عن الانقضاض على الإصلاحيين الليبراليين المسالمين (18).

خلال التسعينيات أبدت الولايات المتحدة وأوروبا رغبتهما بتشجيع الإصلاح في الشرق الأوسط. وفي 1995 التقت وفودٌ تمثل 15 دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي و7 دول عربية في برشلونة، للبحث في تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح وحقوق الإنسان إلى جانب التشاور في ضمان الأمن والاستقرار في حوض المتوسط (19)، غير أن الاتحاد الأوروبي ما لبث أن تراجع عن التزامه بتشجيع الديمقراطية في الشرق الأوسط (20).

أججت الهجمات الإرهابية التي وقعت في 11 أيلول 2001 النقاش في واشنطن حول أهمية إدراج تشجيع الديمقراطية كبند على جدول أعمال السياسة الخارجية الأميركية. ولقد رسم لورن كرانر، مساعد وزير الخارجية لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل بين 2001 و2004 خريطة هذا النقاش على النحو التالي: "[لقد أمل] بعضهم أن تؤدي صدمة 11 أيلول إلى تراجع الحديث عن موضوعي حقوق الإنسان والديمقراطية المزعجين على المستوى الدبلوماسي، ولكن آخرين، وفي عدادهم كثيرون خدموا خلال إدارة الرئيس ريغان، عقدوا مقارناتٍ بين فترة الثمانينيات وما سيكون عليه العالم بعد 11 أيلول. لقد بنى هؤلاء على فرضية أن نجاح الولايات المتحدة في الثمانينيات لم يكن فقط بسب وقوفها في مواجهة الشيوعية وإنما لمرافعتها عن نظرة مغايرة إلى العالم عماداها الديمقراطية والحرية" (21). خلال السنوات الخمس التالية لم يتوقف هذا النقاش، ولا توصل صناع السياسة إلى قرار. هو كذلك إلا أن التجارب الأخيرة مع الإصلاح والمشاقة في كل من إيران ومصر توحي بأن الدعم الصريح لأصحاب هاتين القضيتين لا يسيء إلى الحقيقيين منهم، ولكنه يساهم في خدمة مصالح أميركية عليا وحاسمة.

إيران: الخلط بين الإصلاح وبين المشاقة

لم تثر مسألة تشجيع الديمقراطية في مكان ما في العالم ما أثارته في ما يخص إيران حيث تستمر إدارة الرئيس محمود أحمدي نجاد في عرقلة مهمات الرقابة الموكلة إلى مفتشي وكالة الطاقة الذرية في ظل عودة الجمهورية الإسلامية إلى جذورها الثورية.في محاولة للاستدراك على ركود المساعي الدبلوماسية، قرر الكونغرس في العام 2005 تخصيص مبلغ 3 ملايين دولار لتشجيع الديمقراطية في إيران (22). رغم ضآلة المبلغ اعتبر هذا القرار سابقة بحد ذاته. في شرحه لهذه الخطوة قال ر. نيكولاس بيرنز، مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية، إن إدارة الرئيس بوش تحاول من خلالها أن تستلهم تجربتي أوكرانيا وجورجيا حيث نجحت مجموعات ديمقراطية، ممولة جزئياً من الغرب، بقيادة انتفاضات شعبية أطاحت بأنظمة الاستبداد البالية (23).
  
في 15 شباط 2006 اقترحت إدارة الرئيس بوش زيادة الإنفاق على مشاريع الإصلاح السياسي في إيران إلى 85 مليون دولار (24). واقع الحال أن الميزانية الإجمالية التي أقرت فاقت المبلغ المذكور. ولكن حتى تشرين الثاني 2006 لم تكن وزارة الخارجية قد حولت إلا أقل من 10 ملايين إلى مشاريع تشجيع الديمقراطية (25). أما سبب التعثر في استخدام هذه الأموال بشكل كامل وفعّال فهو أن كبار الدبلوماسيين اعتبروا أن الدعم المادي سوف يكون مدعاة ضرر أكثر منه مجلبة نفع. وعلى ما قال أحد كبار مسؤولي وزارة الخارجية خلال إيجاز صحفي حول خلفية التمويل: "لا يظنن أن على عيوننا غشاوة أو غماضات. آخر ما نريده أن نتسبب بأذية الناس الذين نحاول مساعدتهم" (26).

لقد وجد تحفظ الدوائر الدبلوماسية عن المساعدة ظهيراً له لدى عددٍ من الخبراء والأكاديميين. فعباس ميلاني، مدير برنامج الدراسات الإيرانية في جامعة ستانفورد، اعتبر مثلاً أن "كل من يطلب مالاً أميركياً في إيران سوف يسقط في عيون الإيرانيين" (27) أما أميتاي ايتييوني، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورج واشنطن، فاعتبر "أن أي مساعدة أميركية لتغيير النظام في إيران سوف تلحق الأذى بالقضية التي يعمل الإصلاحيون في سبيلها وسوف تعزز جانب الملالي وسطوتهم" (28).

يمكن توزيع المشاقين الإيرانيين الذين رفضوا المساعدة الأميركية على فريقين. قوام الأول أولئك الذين يطلبون الإصلاح ولكنهم لا يرغبون بتغيير جذري كامل، وهؤلاء هم من يصفهم الإعلام الغربي بـ"الإصلاحيين"؛ إنهم في منزلة الشيوعيين الذين حاولوا في عهد غورباتشوف إصلاح تطبيق الشيوعية دون أن يرفضوا هذه الأيديولوجية بالكامل. أما الفريق الثاني من المشاقين الذين يرفضون المساعدة الأميركية فيقوم رفضهم على قراءة مغلوطة لأهداف السياسة الأميركية.

في عداد الفريق الأول يمكن أن نذكر حسين دركشان الذي يحرر مدونةً شهيرة والذي قال في مقابلة مع النيويورك تايمز "إن دفاع بوش عن الديمقراطية إنما نقل المشروع النووي الموضوع تحت أشد رقابة في العالم من أيدي رئيس إصلاحي إلى يد رجعي غال" (29). بجرة قلم حاول دركشان أن يلقي بتبعية الفشل الانتخابي الذي رد به الجمهور الإيراني على الوعود التي لم يتمكن خاتمي خلال ثماني سنوات من الوفاء بها. وإذ بالغت النيويورك تايمز في متابعة آراء دركشان فهو لم يلبث أن كشف النقاب عن نفسه وأطاح بصدقية دعواه الإصلاحية. ففي نص نشره في أيلول 2006 سلّم دركشان بصحة اعترافات انتزعت منه بالقوة مثيراً في صفوف الإصلاحيين والمشاقين على حد سواء موجة "من البلبلة والاستهجان" (30).

الأبرز بين وجوه الفريق الثاني هو أكبر غانجي، عضو الحرس الثوري السابق الذي تحول إلى صحافة الاستقصاء. في كانون الثاني 2001 حكمت محكمة إيرانية على غانجي بالسجن لمدة 10 سنوات بسبب مشاركته في مؤتمر ببرلين زعمت المحكمة أنه عرض خلاله أمن البلاد للخطر. واقع الحال أن "جريمة" غانجي الحقيقية هي في إلقائه على أجهزة الأمن الإيرانية مسؤولية اغتيال عدد من كبار المشاقين (31). في أيار 2005 بدأ غانجي إضراباً عن الطعام معلناً أن "لا أحد يستحق أن يسجن، ولا للحظة واحدة، بسبب تعبيره عن رأي ما". وإذ تدهور وضعه الصحي فلقد أصدر البيت الأبيض بيان تضامن جاء فيه "إن الرئيس يدعو جميع المدافعين عن حقوق الإنسان والحرية، كما يدعو الأمم المتحدة، إلى النظر بجدية إلى محنة غانجي وإلى وضع حقوق الإنسان في إيران" (32) . في 17 آب من العام نفسه أنهى غانجي إضرابه عن الطعام وكان إطلاق سراحه بعد خمسة أشهر على ذلك. بعد أربعة أشهر على استعادته حريته بدأ غانجي رحلة إلى الولايات المتحدة الأميركية ألقى خلالها سلسلة من المحاضرات.

خلال رحلته إلى الولايات المتحدة كان غانجي واضحاً في معارضته التمويل الخارجي: "ما نحتاج إليه في نضالنا في سبيل الحرية ليس المساعدة الخارجية وإنما توفير الظروف التي يمكن أن تتيح لنا أن نركز كل طاقاتنا على الشؤون الداخلية وأن نكون على ثقة بأن أحداً لا يشجع أو يغطي ممارسات النظام القمعية" (33). إن مثل هذا الموقف إنما يشي بضعف الديبلوماسية العامة [الأميركية] أكثر مما يطعن بفكرة المساعدة الخارجية. ومما تحدث عنه غانجي أيضاً ما كان من نقاش في الإعلام الإيراني وفي دوائر المعارضة الإيرانية، على أثر مطالبة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليسا رايس بتوفير الميزانيات اللازمة لدعم المعارضة الديمقراطية في إيران. ومما قاله في معرض تعليقه على هذه الواقعة إن مطالبة رايس تلك تحولت إلى "موضوع سجالي حاد بعد أن نشرت جريدة النيو يوركر في 6 إذار 2006 مقالة جاء فيها "إن هذه الأموال قد تستعمل في محاولة لتغيير النظام في طهران بالتعاون مع الديمقراطيين الإيرانيين، لا سيما منهم أولئك الذين يقطنون في الخارج" (34).

المقال الذي أثار هذه الموجة من المساجلة لم يكن في الواقع دقيقاً أو أهلاً لأن يعتد به. ففي حين يشكك المراقبون المخضرمون للشأن الإيراني في ادعاءات العديد من المجموعات الإيرانية القائمة في المنفى، فإن صاحبة المقال، كوني بروك، لا تشي في مقاربتها نشاط هذه المجموعات بأية نظرة نقدية. لا بل إنها تذهب إلى أبعد من ذلك إذ تجعل قلمها لسان حال بعض المسؤولين السابقين في الإدارة من أمثال ريشارد أرميتاج وريشارد هاس في نقدهم وتشويههم لسياسة تشجيع الديمقراطية. فأرميتاج، على سبيل المثال، يضلل في إيحائه أن البنتاغون ومكتب نائب الرئيس يسعيان إلى دعم جماعة مجاهدي خلق التي هي منظمة إرهابية مكروهة لدى عامة الإيرانيين (35). هو كذلك، ولكن الجمهور الإيراني قرأ هذه المقالة كأنها تقرير رسمي وليس مجرد آراء شخصية. لو أن هؤلاء المسؤولين السابقين لا يتوسلون بالملف الإيراني لتصفية حسابات لا شأن لها بإيران، ولو أن البيت الأبيض أو وزارة الخارجية سارعا إلى وضع الأمور في نصابها، لما وجدت هذه المغالطات طريقها إلى صفوف الديمقراطيين الإيرانيين ولا أنزلوها منزلة الكلام المقدس.

لقد أكد غانجي رفضه للمساعدة الأميركية برفضه المشاركة في اجتماع مع الرئيس بوش مفضلاً لقاء نعوم تشومسكي (36). في هذا أيضاً فإن قرار غانجي هذا لا يعبر عن موقف المشاقين الإيرانيين عموماً بمقدار ما يعبر عن مواقف مضيفه غودارز اقتداري الناشط السلمي المقيم في ولاية أوريغون والذي يقدم برنامجاً إذاعياً "تقدمياً" من ضيوفه تشومسكي وعدد كبير من المعارضين الصريحين لإدارة الرئيس بوش، ومن دعاة الانفتاح على الجمهورية الإسلامية (37). وفي أية حال فإن عدداً من الأكاديميين الذين زارهم غانجي تحدثوا في مجالسهم الخاصة عن التسييس الفاقع الذي لجأ إليه مضيفه.

إن تجربة غانجي تدحض الفكرة القائلة بأن المساعدة الأميركية هي المسؤولة عن الاضطهاد الذي يتعرض له المشاقون. وإذ كان أن تذرعت الحكومة الإيرانية بالمساعدة التي قدمتها الولايات المتحدة لبعض المشاقين لتوقيفهم ــ وفي الطليعة من هؤلاء رامين جاهانبيجلو الذي تابع أحد برامج الصندوق الوطني للديمقراطية (38) ــ فإن للجمهورية الإسلامية سجلاً عدلياً طويلاً في ترصد المشاقين والتنكيل بهم. وحسبنا أن نتذكر أن تعرية غانجي لبعض آليات الاضطهاد هذه هي التي أدت به إلى الاعتقال.

أوميد معمريان الصحفي الإيراني والباحث الزائر في جامعة كاليفورنيا عبّر عن مخاوف شبيهة بتلك التي عبّر عنها غانجي إذ اعتبر أن شبهة المساعدة الأميركية تسهل انقضاض غلاة النظام على الإصلاحيين. "الآن إذ تقرر الولايات المتحدة جهاراً نهاراً مساعدة المشاقين وجماعات المعارضة مادياً، فإن السلطات الإيرانية يمكنها أن توجه الاتهام صراحة ومباشرة إلى أي صوتٍ معارض بحجة أنه يتلقى الدعم من الولايات المتحدة، الأمر الذي  يسهل على هذه السلطات أن تخنق هذه الأصوات في منأى من أية مقاومة ودونما الشعور بأدنى قلق" (39). وإذ ينقض النظام الإيراني بالفعل على المؤسسات غير الحكومية والجمعيات، فإن الظروف المحيطة بعمليات التضييق هذه تدل على أن إلقاء تبعة ذلك على واشنطن في غير محله. حميد رضا ترقي زعيم حزب الإئتلاف الإسلامي المحافظ آذن بالحملة على المؤسسات غير الحكومية والجمعيات حتى من قبل أن تقرر الولايات المتحدة تقديم الدعم لتشجيع الديمقراطية في إيران. ففي تصريح له إلى صحيفة اعتماد قال المذكور:"من غير المعقول تلبية حاجات الناس من خلال إنشاء المؤسسات غير الحكومية" (40). وللتذكير، فعندما قرر أحمدي نجاد، عند توليه الرئاسة، خفض الميزانية المخصصة للمؤسسات غير الحكومية، فلقد حول المبالغ المخفضة إلى الجمعيات والحوزات التي هي موئل جمهوره وحضنه الدافئ. هو كذلك ولا حاجة إلى الإضافة بأن هذا القرار وسواه تواكبه تبديلات في الإدارة تصب في الاتجاه نفسه (41).

اقتناص الهزيمة من مخالب النصر

هل يمكن المساعدة التي تقدمها الولايات المتحدة للإصلاحيين والمشاقين أن تأتي أكلها؟ التجربة المصرية تثبت أن "نعم". في العام 1988 أسس عالم الاجتماع والناشط الديمقراطي سعد الدين إبراهيم مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية. يجمع المركز عدداً من ناشطي المجتمع المدني ويقوم ينشر تقارير متنوعة ويراقب الانتخابات ولا يخفي ترحيبه بتلقي المساعدات من المؤسسات الأميركية والأوروبية بما فيها الصندوق الوطني للديمقراطية (42).

لقد ازداد ضغط الحكومة المصرية على المركز بمقدار ما كانت نشاطاته تتوسع. في 30 حزيران 2000 عمدت أجهزة الأمن المصرية إلى توقيف 28 من العاملين في المركز ومن المتعاونين معه، كما علّقت نشاطاته لمدة 3 أعوام، وخصت الحكومة المصرية سعد الدين إبراهيم بمعاملة عقابية خاصة. ففي 29 تموز 2002 أدانت محكمة قاهرية سعد الدين ابراهيم بتهم الاختلاس والحصول على مساعدات خارجية دون إذن حكومي وتشويه صورة مصر (43). في سلوك مغاير لسلوك الإدارات السابقة، لم تصمت إدارة بوش على تدابير الحكومة المصرية؛ ففي 14 آب 2002 أعلن البيت الأبيض عن تعليق العمل بسلة مساعدات ممنوحة لمصر بقيمة 130 مليون دولار، مشترطاً لإعادة العمل بها إطلاق سراح إبراهيم وتحسين الحكومة المصرية سياستها في مجال حقوق الإنسان (44). جاء أول ردود الفعل المصرية على لسان وزير الخارجية متعنتاً، حيث صرح الوزير المذكور بأن "مصر لن تقبل الضغط عليها ولن تنصاع لهذا الضغط" مضيفاً أن "الجميع يعرف هذا الأمر تمام المعرفة" (45). كان ما كان ولم تكد تمضي ستة أشهر حتى بادر الرئيس المصري إلى تلبية المطالب الأميركية (46)، وهكذا نجح البيت الأبيض في الإفراج عن سعد الدين إبراهيم، وتحت الضغط، اضطر الرئيس المصري لتنظيم انتخابات رئاسية غير مسبوقة.

إن نجاح واشنطن هذا يأخذ كامل أبعاده إذا ما قيس بنكوص الرئيس المصري عن وعوده الإصلاحية، وانقضاضه على المشاقين المعارضين بعد قرار إدارة بوش في العام 2006 التراجع عن التركيز على تشجيع الديمقراطية في الشرق الأوسط كبند من بنود السياسة الخارجية. فمع تراجع الضغط الأميركي ألغى الرئيس مبارك الانتخابات البلدية وعادت الاعتقالات السياسية، وكمت أفواه القضاة المطالبين باستقلال القضاء. وبعد أقل من  ستة أشهر على المحاضرة التي ألقتها كوندوليسا رايس في الجامعة الأميركية بالقاهرة والتي قالت فيها "إن الخوف من التخلية بين ال