
In English
.PDF
بقلم ماكيل روبن
يناير ٢٠٠٨, No. 1
يمكننا أن نتفهم الدعم الأمريكي لكردستان العراق على المستوى العاطفي البحت. (1) ففي أعقاب الحرب العالمية الأولى، ضاعت من الأكراد فرصة تأسيس دولتهم المستقلة كما تأتى لشعوب أخرى. و اليوم لم يزل الأكراد هم المجموعة العرقية الأعظم عددا بغير دولة تجمعهم، حيث عانوا الأمرين على أيدي الآخرين في دولهم. لكن، و بينما صار كردستان العراق قاب قوسين أو أدنى من الحلم، تأتي رعونة القيادة الكردية في العراق لتجعل أي تحالف طويل الأمد بين الولايات المتحدة و الأكراد خطوة لا تتسم بالحكمة. فبدلا من أن تتحول لمنارة للديمقراطية، تبدو القيادة الكردية في العراق عازمة على أن تحذو حذو النماذج الأكثر سلطوية، و بدلا من أن يسعى الرئيس الكردي "مسعود برزاني" لأن يكون "نيلسون مانديلا" المنطقة، فإنه يرسم طريقه ليكون "ياسر عرفات" جديدا. و بالرغم من الأقوال المنمقة حول ملاءمة كردستان العراق كحليف، تأتي الأفعال الصادرة عنه لتدل على أنه بعيد عن يكون أهلا للثقة.
ربما كان كردستان العراق هو المستفيد الأكبر من تحرير العراق. فاليوم يتمتع الأكراد بأعلى مستويات المعيشة و أفضل معدلات الاستثمار الأجنبي و الاستقرار الأمني في العراق. لقد انتهى عهد الانعزال عن العالم، فالطائرات الأوروبية تنقل الركاب و حتى السياح من ميونيخ و فيينا مباشرة للسليمانية و أربيل، و القوات متعددة الجنسيات تتمتع بالراحة و الاسترخاء في فنادق دهوك و منتجعات دوكان، فيما يتنافس ممثلو شركات البترول الأمريكيون و الأوروبيون على جذب اهتمام الأكراد. بل إن "بيتر جالبريث" الدبلوماسي الأمريكي في إدارة "كلينتون"، و الذي فوضه الحزب الديمقراطي الكردستاني و الاتحاد الوطني الكردستاني ليتفاوض باسمهم، يقترح تأسيس قاعدة عسكرية أمريكية في الإقليم. (2)
شتان الفرق ما بين الوضع اليوم و ما كان عليه منذ خمس سنوات. ففيما تمتع الأكراد بالاستقلال الفعلي (الحكم الذاتي) منذ عام 1991، كان المجهول يخيم على حياتهم اليومية. لم يكن أكراد العراق واثقين أن الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة ستقدمان على ما يتجاوز الشجب أو رفع مستوى العقوبات المفروضة على بغداد إذا ما تحرك الجيش العراقي باتجاه الشمال. ففي العام 1975، ضحى وزير الخارجية الأمريكي "هنري كيسنجر" بأكراد العراق في صفقة على نهج الواقعية السياسية مع بغداد التي كان يسيطر عليها بالفعل "صدام حسين"، نائب رئيس الجمهورية آنذاك. فيما حافظ المجتمع الدولي على صمته حين استخدمت الحكومة العراقية السلاح الكيميائي في مجزرة ضد المدنيين الأكراد عام 1988. و لم تقم القوات الأمريكية إلا بالقليل حين أمر "صدام" الحرس الجمهوري باحتلال أربيل عام 1996، و بينما شجبت إدارة "كلينتون" هذا التحرك، كان بوسع الحلفاء و الأصدقاء على حد سواء أن يروا كيف جاء رد الولايات المتحدة خفيض الصوت، حتى بعد أن قام الحرس الجمهوري باحتجاز معارضين عراقيين يعملون بالتنسيق مع واشنطن ثم إعدامهم بغير توان. و في العام 2000 لم تلق القوات العراقية عواقب وخيمة بعد قيامها بتجاوز خط عرض 36 لتخترق الدفاعات الكردية بالقرب من قرية "باعذرة". (3)
لقد تجاهلت الدول الغربية و منظمات حقوق الإنسان الدولية المنطقة الوحيدة التي تتمتع بالحرية الجزئية فيما كانت تعاني ليس فقط في ظل عقوبات الأمم المتحدة بل و تحت حظر إضافي فرضه نظام "صدام" في بغداد، و الذي فوضه سكرتير عام الامم المتحدة "بطرس بطرس غالي" في تخصيص الغذاء و الدواء لإقليم كردستان في ظل برنامج النفط مقابل الغذاء. (4). كما أن وزارة الخارجية أبقت على عدم قانونية سفر المواطنين الأمريكيين بجوازات سفرهم الأمريكية إلى كردستان العراق حتى العام 2001، في ظل العقوبات المفروضة من قبل كل من الولايات المتحدة و الأمم المتحدة.
فرصة كردستان العراق
في 1 مارس 2003، جاء القرار التركي بعدم المشاركة في "عملية عراق حر" ليعطي حكومة إقليم كردستان دفعة استراتيجية غير متوقعة. و بينما تعاونت فرق القوات الخاصة و أجهزة المخابرات الأمريكية مع ميلشيات البشمرجه الكردية و القيادة السياسية الكردية في الأشهر التي سبقت بداية العمليات العسكرية، كان المخططون العسكريون الأمريكيون يتوقعون شراكة أكثر عمقا بكثير مع تركيا. ففي فبراير 2003، خرج علينا السياسيون و العسكريون الأمريكيون و الأتراك بمذكرة تفاهم موسعة حول الخطوط العريضة للتعاون الأمريكي- التركي في العراق. كان المسئولون الأكراد في العراق مقتنعين أن العلاقات التركية مع واشنطن سيكون لها الأسبقية على الشأن الكردي، إلى حد أنهم سارعوا لا إلى منع انخراط تركيا في الحرب، بل للوصول إلى اتفاقية تنص أولا على أن البنتاجون سيقصر الوجود التركي في العراق في عدد من ممرات المؤن في شمال العراق، و ثانيا أن أية وجود تركي أكبر من ذلك سيكون في المنطقة الواقعة جنوبي أو شرقي تكريت – و هي المناطق التي حددتها أربيل للحد من النفوذ التركي في مدينة كركوك المتنازع عليها.
و بالطبع جاء رفض البرلمان التركي المشاركة في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ليقلل من الأهمية الاستراتيجية للأتراك و يعزز من أهمية الدور الاستراتيجي للقوات الكردية في تحقيق الأهداف الأمريكية. و بدلا من استخدام تركيا كمحطة، هبطت القوات الأمريكية بالمظلات على مطار حرير شمالي أربيل. و ربما كان صحيحا أن البشمرجه نهبوا أكثر مما قاتلوا في الأسبوع الأول من القتال، إلا أن مشاركتهم ساهمت) و لو رمزيا، في تعزيز العلاقات مع القيادة الأمريكية المتشككة في صدق نواياهم، بسبب اعتيادها على وجهة نظر القادة العرب (العراقيين) و أقاربهم في مواقع القيادة العراقية. كما أسهمت النظرة "الرومانسية" للأكراد في تعزيز العلاقات الأمريكية-الكردية. كان من الصعب على العسكريين الأمريكيين ألا يتعاطفوا مع أكراد العراق: فقد تعامل معظمهم مع أكراد العراق لأول مرة عام 1991 حين ساعدوا في التصدي للهجرة الجماعية و المجاعة عبر "عملية توفير العون". و وجدوا الإقليم ،إذ عادوا إليه بعد 12 عاما، قد تغير تماما بسبب القيادة الكردية و بالرغم من العديد من العقبات.
كما أسهمت الثقافة الكردية في دعم أواصر العلاقات مع الولايات المتحدة. فالعسكريون و الدبلوماسيون الأتراك غالبا ما يتقيدون بالرسميات و يلتزمون حرفيا بالبروتوكول، الأمر الذي يؤثر على العلاقات سلبا بدلا من أن يدعمها (5). و قليل من الدبلوماسيين الأمريكيين من يعجبون بمن يحاورهم من الأتراك. أما أكراد العراق، على العكس من ذلك، يغدقون الكرم على زوارهم من المسئولين الأمريكيين، و يعدون لهم الولائم ببذخ، بل، و في أحيان قليلة، يرتبون لهم العلاقات النسائية. بل إن الحزب الديمقراطي الكردستاني يستضيف المسئولين الأمريكيين في بيوت ضيافته الخاصة و يقدم للمسئولين العسكريين و مسئولي وزارة الخارجية الهدايا على حد سواء، و التي تتراوح من السجاد الحريري إلى المجوهرات الذهبية. و بينما يرفض معظم المسئولين الأمريكيين مثل هذه الهدايا، فلقد قبلها بعض المسئولون المدنيون و العسكريون أثناء فترة سلطة الائتلاف المؤقتة.
و من أجل تعزيز النفوذ الكردي في واشنطن، قامت حكومة إقليم كردستان بتوظيف مسئولين عسكريين و سياسيين أمريكيين سابقين لتمثيلها. فعلى سبيل المثال، خاطبت القيادة الكردية شركة للضغط السياسي يديرها "روبرت د. بلاكويل"، و هو نائب سابق لمستشار الأمن القومي، لتمثل المصالح الكردية في واشنطن و لترتيب اللقاءات مع مسئولي الإدارة. (6). فيما استقال "هاري شوت"، القائد السابق لفرقة الشئون المدنية رقم 404 المرابطة في أربيل، من منصبه العسكري ليصبح مستشارا مدفوع الأجر لرئيس وزراء كردستان "نشرفان برزاني". و كل من الجنرال المتقاعد "جاي جارنر" و الكولونيل المتقاعد "ديك ناب"، و الذين توليا الإدارة المدنية في بغداد و أربيل بعد الحرب، على الترتيب، عادا إلى العراق بحثا عن عقود مشابهة. فيما طلب "قوباد طالباني"، ابن رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني، من الأكراد و أصدقاء أكراد العراق للتبرع للحملات الانتخابية لأعضاء الكونجرس المتعاطفين مع الاستقلال الكردي.
و قد قادت المشاركة الكردية على جانب القوات الأمريكية في تحرير العراق، و خاصة بالتناقض مع الممارسات التركية، القيادة الكردية إلى التعبير عن استحقاقها لرد الجميل. ردا على سؤال في مقابلة عام 2003 حول ما يتوقعه أكراد العراق نم دعمهم للولايات المتحدة، قال "مسعود برزاني": "إن طلبنا الرئيسي من الولايات المتحدة و بريطانيا... هو مساندتنا في نضالنا من أجل الحصول على حقوقنا القومية"(7). و في مقال له في العام 2005 حول نفس الموضوع، أوضح "برزاني" أن "قوات البشمرجة جاءت في المرتبة الثانية عددا بعد القوات الأمريكية في قوات التحالف"(8).
منارة للديمقراطية؟
يبدو التحالف مع كردستان العراق طبيعيا في ظل "مبدأ بوش"، فدبلوماسية التغيير و التحول الديمقراطي جاءت في مقدمة سياسات البيت الأبيض، على الأقل على مستوى الأقوال. و هنا قد يبدو كردستان العراق نموذجا مثاليا. فقبل سنتين من سقوط "صدام" وصفت "كارول أوليري"، الباحثة بمركز السلام العالمي بالجامعة الأمريكية، كردستان العراق بأنه "بوتقة للديمقراطية و نموذج لعراق ما بعد "صدام"". (9). فيما أسمى "سفيركر أوردسون" و "أوللي شميدت"، و هما مؤرخ بجامعة لاند و سياسي سويدي على الترتيب، إقليم كردستان العراق بـ"منارة ديمقراطية في الشرق الأوسط" (10). و في العام 2006، بثت شركة تنمية كردستان المدارة من قبل حكومة إقليم كردستان إعلانا تليفزيونيا في الولايات المتحدة يسمي كردستان العراق "ديمقراطية حقيقية على مدار أكثر من عقد من الزمان" (11). و بالرغم من كونها مبالغة، حيث لا يسمح الحزب الديمقراطي الكردستاني و لا الاتحاد الوطني الكردستاني بأية منافسة انتخابية حقيقية، فبالمقارنة مع حكم "صدام" في باقي أراضي العراق، فالمناطق الثلاثة الخاضعة لـ"مسعود برزاني" و قائد الاتحاد الوطني الكردستاني "جلال طالباني" كانت أكثر حرية بفرق شاسع.
لكن أي من "برزاني " و "طالباني" ليس ديمقراطيا. ففي فترة الحرب الأهلية الكردية 1994-1997، انتهك كلا الطرفين حقوق الإنسان على نطاق واسع: حيث اختفى المناهضون، و أمر كلا القائدين بإعدام الأسرى. و اليوم، و في الأراضي الواقعة تحت سيطرة الزعيمين السياسيين، يقدر النشطاء الأكراد عدد المعتقلين المفقودين بثلاثة آلاف (12) إلا أن – كما تؤكد المنظمات الإقليمية – القيادات الكردية تحظر أية نشاط بالنيابة عن أسر المفقودين. و أثناء محاكمة "صدام" عام 2006، أبدى العديد من المثقفين الأكراد في جامعات و مقاهي الإقليم ملاحظات ساخرة حول قيام القيادة الكردية في العراق بارتكاب العديد من الجرائم المشابهة – بالطبع ليس بنفس الأعداد و دون استخدام السلاح الكيميائي – لتلك التي يحاكم "صدام" من أجلها.
لقد تغير العراق، لكن كردستان العراق لم يتغير. فعقب سقوط "صدام"، توقع الكثيرون من بين أكراد العراق أن المنطقة ستتحرك باتجاه الليبرالية و الديمقراطية. فبدلا من الإصلاح، أصيبت السياسة في الإقليم بالتكلس، حيث يحكم "برزاني" قبضة ديكتاتورية على محافظتي دهوك و أربيل، فيما يسيطر "طالباني" على السليمانية. و بالرغم من أن وصف القيادة الكردية – على الأقل في نصفها الخاص بالاتحاد الوطني الكردستاني – بالقبلية لن يكون دقيقا، يعتمد كلا الطرفين على العوائل في سيطرتهم. "برزاني" عين ابن أخيه رئيسا للوزراء و ألقى عاتق جهاز الاستخبارات المحلي على كاهل ابنه البالغ من العمر 35 عاما. فيما يتحكم باقي أقاربه في شركة التليفونات المحلية و الصحف و الإعلام.
فيما تدير زوجة "طالباني"، هيروخان، المحطة الفضائية المحلية، يتولى أحد ولديه الإشراف على استخبارات الاتحاد الوطني الكردستاني، فيما يمثل الآخر حكومة الإقليم في واشنطن. و حين جاء وقت توزيع الحقائب الوزارية في بغداد، استعان القائدان الكرديان بأبناء عائلتيهما: فأعطى "برزاني" خاله حقيبة الخارجية، فيما أعطى "طالباني" صهرا له وزارة الموارد المائية و عين آخر سفيرا للصين. و إحقاقا للحق، فإن الرجلين الذين عينهما "طالباني" مؤهلان مهنيا لتولي الوظيفتين.
كما يتحكم كل من "برزاني" و "طالباني" في شركات قبضة، بعضها يديرها أقارب و بعضها ملحقة بحزبيهما. فـ"طالباني"، بصفته رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني، قام بنقل ملكية أراض تمتلكها الحكومة إلى أقارب له لاستخدامها في طرق تهدف إلى الربح. و في إحدى الحالات التي لم تزل قائمة إلى الآن، استخدم نوكان، مجموعة الشركات التي يمتلكها حزبه، كوسيط لإخلاء اللاجئين عن قطعة أرض كان الحزب يرغب في استخدامها لمصلحة أعضائه. و لما كانت التعيينات القضائية في يد كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني و الاتحاد الوطني الكردستاني، يفتقر اللاجئون و المواطنون العاديون إلى أي سبيل للطعن فيما يتخذ ضدهم من إجراءات. و أثناء الزيارات الدورية للسجون، اكتشف مراقبو حقوق الإنسان المستقلون وجود رجال أعمال مسجونون بلا تهمة، و الذين قالوا أنهم سجنوا بأمر أحد أبناء "برزاني" بعد رفضهم دور الشريك الصامت مع رجال أعمال من عائلة "برزاني".
و لقد حصد كل من "برزاني" و "طالباني" أثناء وجودهما في منصبيهما ثروتين تقدران بـ 2 بليون دولار و 400 مليون دولار على الترتيب. (13) و بينما تصارعت القيادة السياسية الكردية على عائدات الجمارك في وقت من الأوقات، اليوم تختلط خزانة الإقليم بأموال الحزبين و الأرصدة الشخصية. فالفرق العملي بين ما يملكه "برزاني" و "طالباني" بشكل شخصي و ممتلكات حزبيهما و حكومة الإقليم ككل ضئيل للغاية. فـ"برزاني" حول منتجع عام في ساري راش إلى مجمع شخصي، و بنى أفراد عائلته و وزراؤه قصورا لهم على الأراضي الحكومية القريبة.
و توضح مفاوضات النفط في الآونة الأخيرة الخلط القائم بين المجالين السياسي و التجاري في كردستان. فلكي تنال الشركات عقود التنقيب عن النفط و استخراجه في إربيل و دهوك، فإن عليها أن تضم إليها شريكا يعينه "برزاني". و العديد من المسئولين القريبين من المفاوضات يقولون أن الشركاء المعينين من قبل "برزاني" طلبوا أن يذهب ما يصل إلى 10 % من الربح المستقبلي إلى "برزاني" شخصيا و نفس النسبة إلى حزبه. و الخزانة العامة للإقليم تأتي في المرتبة الثانية، حتى و لو كان النفط، نظريا، من موارد الإقليم كافة، إن لم يكن للعراق كافة. إلا أن تضارب المصالح هذا ليس بالأمر الجديد. فهناك وثائق تم العثور عليها بعد سقوط "صدام" تأتي على ذكر تعاملات اقتصادية بين "نشرفان برزاني" و أبناء "صدام". و لم يزل الفساد يتراكم، فطبقا لإحدى المنظمات الأهلية في حلبجه، اندلع حريق ليدمر سجلات اتحاد معلمي الاتحاد الوطني الكردستاني عام 2006، بعد أن تم الأمر بتحقيق محاسبي بشأن اختلاس لأموال اتحاد المعلمين. إلا أن الكثير من أكراد العراق يقولون أنهم كانوا يأملون أن وجود الولايات المتحدة كان ليدفع الإصلاح و الشفافية و المحاسبية إلى الأمام.
آليات السيطرة
تضرب السيطرة السياسية بجذورها في العمق. و في حالة ضحية يتعلم من معذبه، قام الحزبين بإعادة إنتاج آليات السيطرة السياسية الخاصة بحزب البعث. فالحزبان يرسلان ممثلين عنهما ليس فقط إلى الجامعات بل و إلى المدارس الثانوية. و في بعض الحالات يكون هؤلاء الممثلين السياسيين طلابا في الرابعة عشر و الخامسة عشر من العمر، و يكون عليهم أن يكتبوا تقارير عما يجري في حجرة الدراسة و في المحادثات الخاصة، و التي تعمل استخبارات الحزبين بعد ذلك على مقارنتها و تصنيفها. فأجهزة المخابرات تضرب بجذورها في العمق، و استخدام التعذيب شائع. (14) و كلا الحزبان يضع نصب عينيه حزب البعث كنموذج. و بينما لا يلتزم أي من الحزبين بأيديولوجيته التأسيسية (فالقليل من أعضاء المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني، يأخذ "الدولية الاشتراكية" على محمل الجد، بالرغم من عضوية الاتحاد فيها)، لم يزل الأعضاء المتسلقين يتقدمون الصفوف عن طريق الوشاية بزملائهم. و بالرغم خمن الأكراد يعاملون الأجانب جيدا، فإنهم ينظرون إليهم بعين الشك: إذ يسلم سائقو التاكسي العاملين خارج فنادق السليمانية تقاريرهم إلى استخبارات الاتحاد الوطني الكردستاني. فيما يستضيف الحزب الديمقراطي الكردستاني ضيوفه غالبا في بيت ضيافة صلاح الدين. و بالرغم من كون بيت الضيافة منزلا مريحا، إلا أن الضيوف يضطرون للاعتماد على سائقي الحزب (حيث لا يمكن لسائقي التاكسي العادي الاقتراب من المبنى). و غالبا ما تأمر استخبارات الحزب الديمقراطي الكردستاني سائقي التاكسي بعدم اصطحاب الغربيين الذين لم ينالوا تصريحا من رئيس جهاز الاستخبارات بالتنقل بين المدن.
فيما يجب أن العاملين في الفنادق الكبرى أربيل و دهوك و السليمانية من الحزبيين، و العديد منهم يعملون مع أجهزة الاستخبارات و يجمعون التقارير عن الضيوف و من يلتقونهم. فيما تستخدم جامعة دهوك برنامجا لتعقب أجهزة الكمبيوتر التي يستخدمها العاملون الأجانب، و من الوارد أن الجامعات و الكليات الأخرى في الإقليم تتصرف بالمثل.
و عواقب عدم الانصياع أيضا تضرب بجذورها في العمق. حيث يوضع الطلاب الذين يتحدثون عن الحزب أو قيادته على القائمة السوداء فيما يخص فرص العمل و التعليم. ففي جامعة صلاح الدين، على سبيل المثال، قد يجد الطلبة من أصحاب التقديرات الأعلى أنفسهم مستبعدون من دوائر التكريم الأكاديمي إن لم يكونوا على علاقة بالحزب الديمقراطي الباكستاني.
كما يتمتع "برزاني" و "طالباني" بآليات أخرى للسيطرة. فالبشمرجه – حرفيا، أولئك الذين يواجهون الموت – يعملون بوصفهم جيشا لكردستان العراق أقل مما يعملون كميليشيا لفرض رغبات القادة السياسيين. و بالرغم من الوحدة الاسمية بين الإدارتين الكرديتين التابعتين للقائدين السياسيين، لم تزل الأجهزة الأمنية و الميلشيات متمايزة بين الفريقين. فالقادمين إلى كويسنجق، أولى المناطق التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني على الطريق القادم من الأراضي التابعة إلى الاتحاد الوطني الكردستاني، تتم مساءلتهم بواسطة البشمرجه التابعين للحزب الديمقراطي الكردستاني، و غالبا بواسطة الاستخبارات التابعة للحزب كذلك.
و البشمرجه غالبا ما يكونون فوق القانون، ففي إحدى الحالات الحديثة، أطلق أحد البشمرجه التابعين للحزب الديمقراطي الكردستاني النار على ضابط شرطة عند إحدى النقاط المرورية. ثم قام زملاء الجاني بتحريره من قبضة الشرطة للحول دون توجيه الاتهام إليه. (15)
و ليس هناك رقيب ولا حسيب. فحرية الصحافة في كردستان العراق في انحسار، بينما تنمو في المناطق غير الكردية. فزوجة "طالباني" تستغل سيطرتها على المحطة الفضائية المحلية و إحدى المجلات الإقليمية للهجوم على المنتقدين.
و بالرغم من وجود صحيفتين مستقلتين في كردستان العراق – " آوينه" و "هاولاتي" – فإنهما خاضعتان لقيود متزايدة. حيث يستخدم كلا الحزبان سيطرتهما على المحاكم لترهيب و إفلاس بل و سجن الصحفيين الذين ينتقدون الحزبين الحاكمين و مسئوليهما. فالاتحاد الوطني الكردستاني، على سبيل المثال، قام بمقاضاة محرري "هاولاتي" بعد اتهامهم لرئيس الوزراء بإساءة استخدام السلطة. (16) بل و لقد هدد مكتب "نشرفان برزاني" برفع قضايا انتقامية ضد الكتاب و المحللين الأجانب ممن لا يوافقون على الخط السياسي لحزبه.
أما أ&